ابن قيم الجوزية

76

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

والمقدرة ثابتة له سبحانه ، يستحقها بما له من نعوت الكمال وصفات الجلال والجمال ، ومن هنا كان الأرجح في ( ال ) من قولنا الحمد للّه إنها لاستغراق الأفراد . وقد ذكر المؤلف أن اسمه ( الحميد ) يأتي على وجهين : أحدهما : أن جميع المخلوقات ناطقة بحمده ، فكل حمد يقع منهم في الدنيا والآخرة ، بل وكل حمد لم يقع وإنما كان مفروضا مقدرا في آنات الزمان المتتابعة بحيث يملأ الوجود كله علوية وسفليه ، بل ويملأ مثله من غير عد ولا إحصاء فإنه سبحانه يستحقه على خلقه حيث كان هو خلقهم ورزقهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة دينية ودنيوية ودفع عنهم النقم والمكاره ، فليس بالعباد من نعمة إلا وهو موليها ولا يدفع الشر عنهم سواه فيستحق منهم أن يثنوا عليه بما هو أهله ثناء لا فتور له ولا انقطاع . والثاني : أنه يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له فله كما قدمنا صفات الكمال كلها بحيث لا يجوز خلوه عن أي كمال ممكن له ، وله من كل صفة غاية كمالها الذي لا ينتظر كمال بعده ، فكل صفة من صفاته يستحق عليها أكمل الحمد والثناء فكيف بجميع صفاته المقدسة . فله الحمد لذاته وله الحمد لصفاته وله الحمد لأفعاله لأنها دائرة بين أفعال الفضل والإحسان ، وبين أفعال العدل والحكمة التي يستحق عليها كمال الحمد وله الحمد على خلقه ، وعلى شرعه ، وعلى أحكامه القدرية الكونية ، وعلى أحكامه القدرية الكونية ، وعلى أحكامه الشرعية التكليفية . وعلى أحكامه الجزائية في الأولى والآخرة . وتفاصيل حمده وما يحمد هو عليه سبحانه لا تحيط بها الأفكار ولا تحصيها الأقلام .